![]() |
| حمزة سيد الشهداء |
حمزة بن عبد المطلب: أسد الله وسيد الشهداء - سيرة كاملة
نُشر في: 7 فبراير 2026 | الوقت المطلوب للقراءة: 8 دقائق
حمزة بن عبد المطلب هو أحد أعظم أبطال الإسلام وأمَرَةُ الصحابة الذين سطَّروا صفحات مشرقة في تاريخ الدعوة الإسلامية. يُلَقَّبُ بِـ"أسد الله" و"سيد الشهداء" لشجاعته النادرة وقوته الخارقة في القتال. كان عمَّ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأحد الرجال الذين غيَّروا مجرى الأحداث لصالح الإسلام بإسلامهما المبكِّر وبسالتهما في المعارك. في هذا المقال الشامل، سنتتبَّعُ سيرته منذ نشأته في الجاهلية، مرورًا بإسلامه المهيب، وبطولاته في غزوات بدر وأحد، وصولاً إلى استشهاده البطليِّ الذي بكى عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
من هو حمزة بن عبد المطلب؟ نشأته وصفاته الخلقية
وُلِدَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، فِي بَيْتِ بَنِي هَاشِمِ الْكَرِيمِ. كَانَ أَخَا الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَمَّ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ مِنْ أَبِيهِ. فِي صِبَاهُ، أَرْسَلَهُ أَبُوهُ مَعَ عَمَّتِهِ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ لِلرِّضَاعِ، فَرَضِعَ مِنْهَا كَمَا رَضِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا يُشِيرُ إِلَى قُرْبَى الْقَلْبِ وَالْمَشْرَبِ بَيْنَهُمَا.
فِي الْجَاهِلِيَّةِ، اشْتَهَرَ حَمْزَةٌ بِشَجَاعَتِهِ الْفَائِقَةِ وَقُوَّتِهِ الْجَسْدِيَّةِ الْخَارِقَةِ. كَانَ فَارِسًا مَاهِرًا وَصَيَّادًا شُهْرَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، يَصْطَادُ الْوَحْشَ فِي الصَّحْرَاءِ وَيَبِيتُ بِالْغَابِ لِأَيَّامٍ طَوِيلَةٍ. شَارَكَ فِي حَرْبِ الْفِجَارِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَقَيْسِ عَيْلَانَ، حَيْثُ أَبْدَى بَهَاءً وَفَتْوَةً جَعَلَتْهُ يُهَابُ مِنْ جَمِيعِ فُتْيَانِ قُرَيْشٍ. كَانَ يُقَالُ عَنْهُ: "أَشَدُّ فَتَى قُرَيْشٍ شَكِيمَةً وَأَقْوَاهُمْ بَأْسًا".
صفاته الجسدية: كَانَ حَمْزَةُ طَوِيلَ الْقَامَةِ، عَرِيضَ الصَّدْرِ، أَسْوَدَ اللَّوْنِ الْمَحْمَرِّ، أَجْعَدَ الرَّأْسِ، ذَا شَعْرٍ كَثِيفٍ، وَعَيْنَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ حَادَّتَيْنِ. كَانَ يَحْمِلُ سَيْفَيْنِ فِي الْمَعَارِكِ وَيَقْتَاتُ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ بِالْتَّسَاوِي.
لَمْ يَكُنْ حَمْزَةُ فَقَطْ بَطَلًا جَسْدِيًّا، بَلْ كَانَ كَرِيمَ النَّفْسِ، عَزِيزَ الْجَاهِ، لَا يَقْبَلُ الذُّلَّ وَلَا يَنْقَادُ لِأَحَدٍ. كَانَ يَعِيشُ حَيَاةَ الْفَتَى الْجَاهِلِيِّ الْكَرِيمِ، يَطْعُمُ الْفُقَرَاءَ وَيَعُودُ الْمَسَاكِينَ، وَلَكِنْهُ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيُعْبُدُ الْأَصْنَامَ مِثْلَ سَائِرِ قُرَيْشٍ.
إسلام حمزة: اللحظة التاريخية التي هزَّت مكَّة
فِي الْعَامِ الثَّانِي لِلْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَفِي وَقْتٍ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَعْتَدِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ، جَاءَ إِسْلَامُ حَمْزَةٍ كَالْبَرْقِ الْمُضِيءِ فِي لَيْلِ ظْلَامِ. كَانَ حَمْزَةُ قَدْ رَجَعَ مِنْ صَيْدٍ فِي الصَّحْرَاءِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْحَرَمَ، أَخْبَرَتْهُ امْرَأَةُ رَبَّتِهِ أَنَّ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ قَدْ شَاتَمَ رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَ جَبْلِ الصَّفَا وَصَفَهُ بِالْوَقْعَزِيِّ.
غَضِبَ حَمْزَةُ غَضَبًا عَظِيمًا، وَانْطَلَقَ إِلَى نَادِي قُرَيْشٍ حَيْثُ كَانَ أَبُو جَهْلٍ وَرُءُوسُ الْقُرَشِيِّينَ. ضَرَبَهُ بِقَوْسِهِ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى انْفَجَرَ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ جَهْرِيٍّ: "أَأَشْتَمُّ ابْنَ أَخِي وَأَنَا حَيٌّ؟ فَإِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، وَمَا أَنْتُمْ عَلَى بَاطِلٍ، فَقَاتِلُونِي كُلَّكُمْ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ!" ثُمَّ أَعْلَنَ إِسْلَامَهُ أَمَامَ الْجَمِيعِ، قَائِلًا: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ."
هَزَّ إِسْلَامُ حَمْزَةٍ أَرْكَانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَجِدُوا بَأْسًا بِمُعَادَاةِ النَّبِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ، إِذْ كَانَ حَمْزَةُ أَشَدَّهُمْ قُوَّةً وَشَرَفًا. أَصْبَحَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ جَهَرَ بِالْإِسْلَامِ، وَعَقْدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ لَوَاءٍ فِي الْإِسْلَامِ.
هجرته إلى المدينة وبداية الجهاد
بَعْدَ شُهْرَتَيْهِ فِي الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ حَمْزَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ، لِيَصْبَحَ وَاحِدًا مِنْ أَعْظَمِ حُمَاةِ الدَّعْوَةِ. شَهِدَ غَزْوَةَ الْأَبْوَاءِ (وَدَّانَ)، وَغَزْوَةَ بُعَاثَةَ، وَذِي الْعُشَيْرَةِ، وَبَنِي قَيْنُقَاعَ، حَيْثُ أَبْلَى بَلَاءَ حَسَنًا فِي كُلِّهَا.
كَانَ حَمْزَةُ يُعَدُّ الْمُسْلِمِينَ لِلْقِتَالِ، وَيُدَرِّبُهُمْ عَلَى فَنُونِ الْحَرْبِ، فَأَصْبَحَ قَائِدَ سَرِيَّةٍ مِنْ أَوَّلِهَا. فِي غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، أَدْرَكَ مَا كَانَ الْيَهُودُ يَخْطِطُونَ لِخِيَانَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ لَهُ الْفَضْلُ فِي إِنْذَارِ النَّبِيِّ.
بطولات حمزة في غزوة بدر الكبرى
كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ (17 رَمَضَانَ 2 هـ) أَوَّلَ غَزْوَةٍ كُبْرَى فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهَا بَرَزَ حَمْزَةُ كَالْبَرْقِ الْمُضِيءِ. حَمَلَ لَوَاءَ الْمُهَاجِرِينَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ، وَمُبَارَزَةً قَتَلَ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَحَدَ سَادَةِ قُرَيْشٍ وَرُؤُوسِهَا. ثُمَّ انْدَفَعَ فِي وَسَطِ الْمُشْرِكِينَ، يَقْتُلُ وَيَحْظَى بِالْغَنِيمَةِ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "جَاءَ الْيَوْمَ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ."
فِي بَدْرٍ، قَتَلَ حَمْزَةُ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْهُمْ طَعِيمَةَ بْنَ عَدِيٍّ وَنَهِيقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَتْ سَهْمَتُهُ فِي قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ. أَثْبَتَ فِي بَدْرٍ أَنَّهُ لَيْسَ فَقَطْ بَطَلُ الْجَاهِلِيَّةِ، بَلْ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
| الغزوة | دور حمزة | الإنجازات الرئيسية |
|---|---|---|
| بدر الكبرى | حامل لواء المهاجرين | قتل شيبة بن ربيعة وعدد كبير من المشركين |
| أحد | قائد الجناح الأيمن | قتل 31 مقاتلاً قبل الاستشهاد |
| سرات أخرى | قائد سرايا | أول لواء في الإسلام |
استشهاد أسد الله في غزوة أحد
فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ (3 هـ/625 م)، وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي اخْتَبَرَتْ صَبْرَ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ لِحَمْزَةِ نَصِيبٌ أَسْوَأُ مِنْ غَيْرِهِ. حَمَلَ لَوَاءَ الْمُهَاجِرِينَ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَادَ الْجَنَاحَ الْأَيْمَنَ بِبَسَلٍ نَادِرٍ. قَتَلَ ثَلَاثِينَ وَوَاحِدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْهُمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ حَامِلَ لَوَاءِ قُرَيْشٍ.
تَآَمَرَ مَشَارِيعُ الْقُرَشِيِّينَ مَعَ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْحَبَشِيِّ، عَبْدِ جُعَلِ بْنِ سُهَيْلٍ، وَعَدَوْهُ بِالْحُرِّيَّةِ إِنْ قَتَلَ حَمْزَةَ انْتِقَامًا مِنْ بَدْرٍ. رَمَى وَحْشِيُّ حَرْبَتَهُ فَأَصَابَتْ حَمْزَةَ أَسْفَلَ بَطْنِهِ، فَاسْتَشْهَدَ يَوْمَ السَّبْتِ نِصْفَ شَوَّالِ 3 هـ.
بَعْدَ اسْتِشْهَادِهِ، تَمَثَّلَتْ بِهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ انْتِقَامًا مِنْ قَتْلِ أَبِيهَا وَأَخِيهَا فِي بَدْرٍ، فَقَطَعَتْ أُذُنَيْهِ وَأَنْفَهُ وَشَقَّتْ كَبِدَهُ وَمَضَغَتْهَا، لَكِنَّهَا بَصَقَتْهَا لَمَّا ذَكَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ. بَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ تَقُولَ أَهْلُ الْأَرْضِ إِنَّ مُحَمَّدًا يَفْتَرِي عَلَى أَهْلِهِ لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُرْحِلَنِي إِلَيْهِ."
دفنه ومكانته العظيمة في الإسلام
لِعَدَمِ كَفَايَةِ الْكَفَنِ، كُفِّنَ حَمْزَةُ فِي سَبْعِينَ دَرْعًا مِنْ جُلُودِ الْغَنَائِمِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَالْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ دُفِنَ فِي شَهْرِ أُحُدٍ. سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ "سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ"، وَقَالَ إِنَّ اسْمَهُ مَكْتُوبٌ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
أَصْبَحَ قَبْرُ حَمْزَةَ مَقَامًا مُبَارَكًا يَزُورُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ رَمْزٌ لِلشُّجَاعَةِ وَالتَّضْحِيَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يُدْرِسُ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ سِيرَتَهُ لِلْعِبَرَةِ وَالْعِظَّةِ.
الدروس المستفادة من سيرة حمزة بن عبد المطلب
- الشَّجَاعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ: تَحْوِيلُ الْقُوَّةِ الْجَسْدِيَّةِ إِلَى قُوَّةٍ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ.
- الْوَفَاءُ لِلْعَشِيرَةِ: دَفْعُهُ عَنِ النَّبِيِّ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.
- التَّضْحِيَةُ الْعُظْمَى: اسْتِشْهَادُهُ بَعْدَ بَطُولَاتٍ جَمَّةٍ.
- الْإِيمَانُ يُغَيِّرُ الْقَلْبَ: مِنْ عَابِدِ أَصْنَامٍ إِلَى مُجَاهِدٍ كَبِيرٍ.
حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ نَمُوذَجٌ يُحْتَذَى، يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ فِي الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ. رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً وَأَسْكَنَهُ فِي الْجِنَّةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ.
هَلْ تَرَى فِي سِيرَةِ حَمْزَةَ دَرْسًا لَكَ؟ اَكْتُبْ فِي التَّعْلِيقَاتِ!
``` لمزيد من قصص الصحابة رضوان الله عليهم اضغط هنا